التاسع مايو يُعتبر التاسع من مايو من التواريخ المحورية في تاريخ أوروبا، حيث يُحتفل به بشكل مختلف بين بروكسل وموسكو، مما يكشف عن انقسام عميق في قراءة الحرب العالمية الثانية. ففي الوقت الذي تحتفي فيه بروكسل بـ”يوم أوروبا” كرمز للتعاون والسلام، تستعيد موسكو ذكرى انتصارها العسكري كجزء من هويتها الوطنية.
التاسع مايو
في بروكسل، يُعتبر هذا اليوم محطة سياسية مهمة، حيث يُحتفى بتأسيس مشروع التعاون الأوروبي الذي نشأ بعد حربين عالميتين مدمرتين. يعود أصل هذا الاحتفال إلى اقتراح وزير الخارجية الفرنسي الأسبق روبرت شومان عام 1950، الذي دعا إلى وضع إنتاج الفحم والصلب الفرنسي والألماني تحت سلطة مشتركة. هذه الخطوة كانت بمثابة حجر الأساس لتأسيس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، والتي تطورت لاحقًا إلى الاتحاد الأوروبي.
ذاكرة الحرب وصناعة الهوية — الحرب العالمية الثانية
لم يكن اختيار الفحم والصلب مجرد قرار اقتصادي، بل كان يعكس الرغبة في تقليل احتمالات اندلاع حرب جديدة بين فرنسا وألمانيا. وهكذا، وُلد المشروع الأوروبي من ذاكرة الخوف من الحرب، حيث تحوّل السلام بعد عام 1945 إلى شبكة من المصالح والمؤسسات التي تهدف إلى منع تكرار الكارثة.
لكن في روسيا، يحمل التاسع من مايو معنى مختلفًا تمامًا. يُعرف هذا اليوم باسم “يوم النصر” في “الحرب الوطنية العظمى”، ويُعتبر أحد أكثر المناسبات أهمية في الوعي الروسي المعاصر. يرتبط هذا اليوم بتضحيات هائلة قدمها الاتحاد السوفيتي خلال الحرب ضد ألمانيا النازية، وقد تحول في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طقس سياسي مهم.
موسكو تحتفل بالنصر — الاتحاد الأوروبي
تظهر احتفالات موسكو من خلال العروض العسكرية الضخمة والخطابات الرسمية التي تستحضر الرموز السوفيتية، مما يعكس قوة الدولة الروسية الحالية. ومع ذلك، جاءت احتفالات هذا العام في ظل توترات الحرب في أوكرانيا، حيث أقامت موسكو عرضًا عسكريًا محدودًا وسط إجراءات أمنية مشددة.

تتداخل ذكرى الحرب العالمية الثانية مع الحرب الدائرة حاليًا في أوروبا، مما يجعل التاسع من مايو ليس مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل ساحة صراع حول معنى التاريخ نفسه. تستخدم روسيا خطاب “النصر على النازية” في سياق الحرب في أوكرانيا، بينما ترى كييف وبعض الدول الأوروبية أن موسكو توظف الذاكرة السوفيتية لتبرير تصرفاتها الحالية.
روايتان متقابلتان — روسيا
تسعى الأمم المتحدة إلى تقديم صيغة أكثر توازنًا من خلال الاعتراف بيومي الثامن والتاسع من مايو كأيام للذكرى والمصالحة. ومع ذلك، تبقى الذاكرة في السياسة نادرًا ما تكون محايدة. ففي بروكسل، يظهر التاسع من مايو عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي وأعلامه، بينما يظهر في موسكو عبر الجيش والعروض العسكرية.
تتباين الروايتان بشكل كبير، إذ بنت أوروبا الغربية مشروعها على فكرة تقليل احتمالات الحرب عبر تشابك المصالح، بينما بنت روسيا جزءًا كبيرًا من هويتها الحديثة على ذاكرة الانتصار العسكري. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، تزداد الهوة بين الروايتين اتساعًا.
دعوة لذاكرة جديدة
إن أهمية التاسع من مايو لا تكمن فقط في ما حدث عام 1945، بل في كيفية استخدام هذه الذاكرة اليوم لفهم الحاضر ورسم ملامح المستقبل. ربما يحتاج العالم اليوم إلى ذاكرة ثالثة: ذاكرة تعترف بتضحيات الشعوب، ولا تختزل التاريخ في استعراض القوة، وتعمل على منع تكرار منطق الحرب.
في النهاية، يُظهر التاسع من مايو كيف يمكن أن تتحول الذاكرة إلى قوة سياسية، حيث تتنازع الروايات حول السلام والقوة، مما يبرز التحديات التي تواجه أوروبا في سعيها نحو وحدة حقيقية.
المصدر: alaraby.com
المزيد في العالم • الحرب العالمية الثانية • الاتحاد الأوروبي • روسيا • السلام

