قمة جدة: إعادة تشكيل الأمن الخليجي عبر مضيق هرمز

0
20
قمة جدة: إعادة تشكيل الأمن الخليجي عبر مضيق هرمز

مضيق هرمز الأمن الخليجي في ظل التوترات المتزايدة في مضيق هرمز، اجتمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في جدة في قمة تشاورية غير مسبوقة. لم يكن هذا الاجتماع مجرد رد فعل على أزمة عابرة، بل كان بمثابة إعلان هادئ لكنه حاسم عن تحول استراتيجي في إدارة المنطقة.

مضيق هرمز الأمن الخليجي

القادة الذين اجتمعوا حول الطاولة أدركوا أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر ملاحي تديره قواعد القانون الدولي، بل أصبح ساحة اختبار لإرادة المنطقة وقدرتها على صياغة مستقبلها بأيديها. هذه المرة، الخليج لا يتلقى الضغوط فحسب، بل يحولها إلى فرصة لإعادة بناء منظومته الأمنية من جذورها.

من أزمة إلى فرصة — قمة جدة

منذ 28 فبراير/شباط 2026، أصبح ما يجري في مضيق هرمز اختبارًا وجوديًا حقيقيًا. التاريخ يسجل أن أعمق التحولات الاستراتيجية وُلدت من رحم الضغوط، وليس من عهود الرخاء. قمة جدة الاستثنائية أدركت هذا جيدًا، وبدأت برؤية تتجاوز إدارة الأزمة نحو استثمارها.

يمر عبر مضيق هرمز نحو 17 مليون برميل من النفط يوميًا، وهو ما يمثل ربع التجارة النفطية البحرية العالمية. هذه الأرقام، التي كانت تُعتبر نقطة ضعف للخليج، أصبحت الآن مصدر قوة. قمة جدة قلبت هذا الوصف رأسًا على عقب، حيث أدرك القادة أن استقرار الطاقة العالمية يعتمد على إرادة هذه الدول وحكمة قياداتها.

استراتيجية ثلاثية الأبعاد — الأمن الخليجي

ما تم طرحه في قمة جدة لم يكن مجرد مواقف دبلوماسية تقليدية، بل كان خارطة طريق لإعادة هندسة الأمن الخليجي على ثلاثة مستويات متزامنة:

المستوى الأول: تحرير صادرات الطاقة — مضيق هرمز

أدرك القادة في جدة أن الاعتماد الكامل على مضيق هرمز كمخرج وحيد لم يكن قدراً جغرافياً، بل كان قصوراً في الرؤية الجيوسياسية. لذلك، تم الاتفاق على تسريع مشروع “الشبكة الخليجية البديلة”، التي ستربط حقول الإنتاج في الدول الثلاث ببنية تحتية عبر الصحراء العربية إلى بحرين، مما يلغي قدرة إيران على استخدام المضيق كسلاح ضدهم.

المستوى الثاني: منصة لوجيستية مستقلة

تحويل شبه الجزيرة العربية إلى منصة لوجيستية مستقلة كان أيضًا محور النقاشات. مشروع السكة الحديدية الخليجية، الذي سيتصل بشبكة الربط البري مع الأردن وسوريا وتركيا، انتقل من خانة المشاريع التنموية إلى الأولويات الأمنية الاستراتيجية. هذا سيمكن دول المجلس من نقل البضائع والغذاء والمواد الأساسية برا، مما يقلل من قدرة أي طرف على ابتزازها.

المستوى الثالث: منظومة التحوط المشترك

تم اتخاذ قرار إنشاء مخزون استراتيجي خليجي موحد للطاقة والغذاء والدواء. هذا المخزون سيعيد زمام المبادرة إلى القيادات الخليجية، ويمنحها ما لا يمكن شراؤه بالمال: هامش المناورة الزمني.

إعادة كتابة المعادلة

قمة جدة تقدم ردًا عمليًا على الإطار النظري الكلاسيكي الذي أرساه الأميرال الأمريكي ألفريد ثاير ماهان. الدولة التي تبني بدائل متعددة لممر واحد لا تلغي أهمية هذا الممر، بل تلغي قدرة أي طرف على استخدامه كسلاح ضدها. هذا هو جوهر ما يسمى “الردع الاقتصادي الهيكلي”.

دول مجلس التعاون، بما تملكه من ثروات واحتياطيات، تمتلك من الأوراق ما يكفي لإدارة هذا المنعطف بثقة. أكثر من 30% من احتياطيات النفط العالمية المثبتة موجودة داخل حدود دول المجلس، مما يمنحها قوة ضغط على الاقتصادات العالمية.

الاختبار القادم

عندما تهدأ الأزمة الراهنة، سيكون الاختبار الحقيقي لما بنته قمة جدة في سؤال واحد: هل ستتحول المشاريع التي تم الاتفاق عليها إلى واقع ملموس، أم ستتراجع سرعة التنفيذ؟ التاريخ الخليجي يعرف هذا النمط المقلق، ولكن القادة الذين اجتمعوا في جدة يدركون أهمية الاستمرار في العمل.

ما تبنيه دول المجلس اليوم، إذا واصلته بالإرادة ذاتها، هو في جوهره تأسيس لمفهوم جديد كليًا للأمن الخليجي: أمن لا يرتكز على تحالف عسكري مع قوة خارجية، بل يرتكز على استقلالية هيكلية تمنح هذه الدول القدرة على صياغة مواقفها وحماية مصالحها بمعزل عن إرادة أي طرف آخر.

هذا هو المنعطف الاستراتيجي الحقيقي الذي تصنعه قمة جدة: ليس الاستجابة لما فرض، بل امتلاك القدرة على تحديد ما سيأتي.

المصدر: aljazeera.net

المزيد في أخبار الشرق الأوسطقمة جدةالأمن الخليجيمضيق هرمز