في قلب مدينة ماردين، حيث يلتقي التاريخ بالحداثة، أعيد افتتاح مدرسة القاسمية التاريخية بعد غياب دام قرنًا كاملًا. هذه المدرسة، التي أسست في القرن الخامس عشر، كانت مركزًا حيويًا للعلم والمعرفة، وها هي اليوم تستعيد دورها كمنارة تعليمية في جنوب شرقي تركيا.
مدرسة القاسمية التاريخية
يستقبل الطلاب اليوم في فصول القاسمية دروسًا تتناول العمارة الإسلامية في العصور الوسطى، بينما يتنفسون هواءً يحمل عبق التاريخ. يقول إبراهيم أوزقوشار، رئيس جامعة ماردين آرتقلو، التي تشرف على المدرسة، إن العودة إلى القاسمية ليست مجرد استئناف للدروس، بل هي محاولة لإعادة وصل خيط مقطوع من التراث العلمي للمدينة.
تاريخ طويل من التعليم
تأسست القاسمية في فترة فاصلة بين دولتَي الأرتقيين والآق قوينلو، وكانت تُدرس فيها العلوم الدينية والتطبيقية مثل الطب والفلك والرياضيات والكيمياء. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، توقفت المدرسة عن العمل، وتحولت إلى ثكنة عسكرية ثم متحف، مما جعلها قطعة أثرية صامتة.
خلال تلك الفترة، فقدت القاسمية الكثير من طلابها ومعلميها، وأصبحت رمزًا للزمن الضائع. ومع ذلك، فإن إعادة افتتاحها اليوم تعكس رغبة قوية في استعادة الهوية الثقافية والعلمية للمدينة.
العودة إلى الجذور — ماردين
المدرسة القاسمية ليست مجرد مبنى تاريخي، بل هي رمز للمعرفة التي تتجاوز حدود الزمن. لطفي باران، طالب يدرس الحديث والتفسير داخل القاسمية، يعبر عن شعور زملائه بقوله: “أن تتعلم حيث تعلم الجزري شعور لا يوصف”. هذا الإحساس يربط الطلاب بتاريخهم ويعزز انتماءهم لمكانهم.
إسراء إرجين، طالبة من ماردين تدرس تاريخ الفن والآثار، تشير إلى أن الدروس تتناول تاريخ السلاجقة والفن الإسلامي، مما يجعل التعلم تجربة غنية تعكس تاريخ المكان.
ماردين: مدينة التعايش — التعليم
لا يمكن فصل القاسمية عن مدينة ماردين نفسها، التي تُعتبر نموذجًا للتعايش بين الأديان والثقافات. يقول أوزقوشار إن ماردين “ترسل رسائل إلى العالم” عبر قدرتها على الحفاظ على تاريخها دون أن ينكسر. اليوم، تحتضن القاسمية طلاب الهندسة المعمارية والسياحة وعلوم الدين والفنون الجميلة، مما يعكس تنوعًا ثقافيًا وتعليميًا.
مع غروب الشمس، تعود القاسمية إلى سكونها القديم، ولكن هذا السكون مختلف اليوم. إنه سكون بيت فارغ ينتظر عودة أهله في الصباح، ليبدأ يوم جديد من التعلم والإبداع. إن إعادة افتتاح القاسمية ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي بداية جديدة لمستقبل مشرق يحمل في طياته إرثًا ثقافيًا غنيًا.
المصدر: aljazeera.net
المزيد في الأجهزة والإلكترونيات • ماردين • التعليم • التراث الثقافي

