المرسوم الأسود: قصة استعباد الإنسان لبناء فرنسا العصرية

0
19
المرسوم الأسود: قصة استعباد الإنسان لبناء فرنسا العصرية

المرسوم الأسود, العدالة الترميمية في قلب مدينة نانت الفرنسية، حيث بدأت قصة مأساوية من الاستعباد، تتجدد اليوم الدعوات للعدالة والتعويض. في عام 2026، لم يعد الحديث عن العبودية مجرد استحضار لتاريخ مضى، بل تحول إلى معركة قانونية واقتصادية تتطلب الاعتراف بحقوق أحفاد المستعبدين.

المرسوم الأسود, العدالة الترميمية

أحفاد هؤلاء الذين عانوا من الظلم لا يطلبون اعتذارات رمزية، بل يسعون للحصول على “العدالة الترميمية” واسترداد مليارات اليوروهات التي سُلبت من أجدادهم تحت تهديد السلاح. هذه القضية تمثل سابقة تاريخية، حيث يُجبر شعب محرر على دفع تعويضات لمستعبديه السابقين.

في نانت، حيث انطلقت أولى رحلات تجارة الرقيق، يرتفع نصب خشبي بطول 18 متراً يُعرف بـ”صاري الأخوة والذاكرة”. هذا النصب، الذي صممه أحفاد المستعبدين وبناه طلاب مهنيون، يمثل نقطة تحول في علاقة فرنسا بإرثها الاستعماري.

مفارقة تاريخية — العبودية

تاريخ نانت يحمل مفارقة مؤلمة، إذ كانت المدينة معقلاً لمعارضة إلغاء العبودية. في عام 1794، قاومت المدينة قرار الثورة الفرنسية بإلغاء الرق، وكانت من بين المدن التي ابتهجت بقرار نابليون بونابرت بإعادة العبودية في عام 1802.

بين القرنين الـ16 والـ19، تنافست فرنسا مع البرتغال وبريطانيا لتصبح ثالث أكبر قوة أوروبية في تجارة البشر، حيث استعبدت نحو 13% من إجمالي 13 إلى 17 مليون إنسان نُقلوا قسراً من أفريقيا.

المرسوم الأسود: تسليع البشر — فرنسا

في عام 1685، سُنت وثيقة “المرسوم الأسود” (Code Noir) لتكون الإطار القانوني الذي ينظم تجارة الرقيق. هذا المرسوم لم يكتفِ بتسليع الإنسان، بل قنن العقوبات الجسدية بحقه، حيث نصت المادة 38 على عقوبات قاسية للعبيد الهاربين.

لم تتعامل باريس مع تحرر المستعبدين كحق إنساني، بل كخسارة تجارية تستوجب التعويض المالي. خير تجسيد لهذه المعادلة كان في هاييتي، التي شهدت أول ثورة ناجحة للعبيد وأعلنت استقلالها عام 1804. لكن فرنسا فرضت عزلة اقتصادية خانقة على الدولة الوليدة، مما اضطرها لدفع ثمن باهظ للحصول على اعتراف لم يكن يجب أن يُطلب.

في عام 1825، أرسل الملك شارل العاشر بارون دو ماكو لإجبار هاييتي على دفع 150 مليون فرنك ذهبي لتعويض الأسياد الفرنسيين. هذا الدين أُجبرت هاييتي على اقتراضه، مما أدخلها في دوامة من الديون التي استمرت حتى منتصف القرن العشرين.

أثر الدين على الاقتصاد الهاييتي

وفقاً لتحقيق لصحيفة نيويورك تايمز، دفعت هاييتي 560 مليون دولار بأسعار اليوم. لو بقيت هذه الأموال، لكان بإمكانها ضخ 21 مليار دولار في اقتصادها، مما يعني خسارة تقديرات النمو تصل إلى 115 مليار دولار.

في الوقت الذي كانت فيه هاييتي تسدد هذه الديون، كان البنك الفرنسي الذي جنى أكبر أرباح من القروض يساهم في تمويل بناء “برج إيفل”. اليوم، تعاني هاييتي من نسبة فقر تصل إلى 59%، بينما تبلغ النسبة في فرنسا 14.1%.

الضغوط السياسية في فرنسا — هاييتي

في عام 2026، تتزايد الضغوط السياسية على الإليزيه. رغم تشكيل الرئيس إيمانويل ماكرون لجنة مشتركة مع هاييتي، إلا أن باريس تتجنب الاعتراف بالتعويض المالي. هذا الموقف يذكرنا بوعد الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند بـ”سداد الدين”، الذي تراجع عنه لاحقاً.

اليوم، يتردد المطلب عالمياً، حيث تساءلت نجمة التنس ناومي أوساكا: “متى تسترد هاييتي أموالها؟”. وفي الداخل، بدأت مؤسسة “ذاكرة العبودية” نقاشات حول التعويضات، بينما حذر رئيس المؤسسة من أن فرنسا قد تغفو على هذا الملف.

بين “المرسوم الأسود” و”ديون الاستقلال”، يبدو أن السؤال المطروح على طاولات الساسة في عام 2026 لم يعد: هل تعترف فرنسا بالماضي؟ بل: هل هي مستعدة لدفع ثمنه؟

المصدر: aljazeera.net

المزيد في العالمالعبوديةفرنساهاييتيالعدالة