الطاقة النووية تُعيدُ صدمات الطاقة تشكيل خريطة الخيارات الاستراتيجية للدول، حيث تزداد الضغوط على أسواق النفط والغاز، مما يدفع الحكومات إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا وأقل عرضة للتقلبات الجيوسياسية.
في خضم هذه التغيرات، تبرز الطاقة النووية كخيار محتمل لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية. ومع تزايد الاضطرابات في الإمدادات وارتفاع المخاطر الناجمة عن اختناقات حيوية مثل مضيق هرمز، يعود النقاش حول الطاقة النووية إلى الواجهة.
عودة الطاقة النووية إلى النقاش العالمي
يشير تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن الحرب في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي المسال، وهو وقود يُستخدم بشكل واسع لتوليد الطاقة في جميع أنحاء آسيا. حتى في أوروبا، حيث تتوفر إمدادات الغاز، يؤدي تناقص هذه الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد.
ردًا على ذلك، تجد الطاقة النووية دعمًا جديدًا، حتى في بعض الدول التي كانت تعارضها تاريخيًا. في تايوان، على سبيل المثال، صرح الرئيس لاي تشينغ تي بأن الجزيرة يجب أن تنفتح على الطاقة النووية لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، وهو تحول جذري عن سياسة “وطن خالٍ من الطاقة النووية” التي اتبعتها البلاد بعد كارثة فوكوشيما عام 2011.
التحديات أمام التحول إلى الطاقة النووية
ومع ذلك، فإن العودة إلى الطاقة النووية ليست بالأمر السهل. يقول مستشار أسواق الطاقة، مصطفى البزركان، إن التحول إلى الطاقة النووية عقب أزمة النفط والغاز الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز سيواجه عقبات كبيرة. فالتجارب السابقة، مثل الحوادث النووية في اليابان، دفعت العديد من الدول إلى التراجع عن الاعتماد على هذا المصدر.
على الرغم من أن فرنسا تعتمد بشكل كبير على الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، إلا أن هناك تحديات كبيرة تعيق التوسع في هذا المسار، خاصة في ظل سعي دول الاتحاد الأوروبي للتخلص من الهيمنة الروسية في قطاع الطاقة.

الاعتماد على الطاقة النووية في المستقبل
في الولايات المتحدة، دعمت الحكومة انتعاش صناعة الطاقة النووية بمليارات الدولارات من خلال ضمانات القروض الفيدرالية والإعفاءات الضريبية. وقدّر الخبراء أن الطاقة النووية في الولايات المتحدة ستحتاج إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2050 لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
أما الصين، فقد سارعت في بناء قدراتها النووية بوتيرة أسرع. ومع استمرار انقطاع الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة، قد يفتح المجال أمام مستوى جديد من الدعم السياسي للطاقة النووية، رغم أن تكاليف بناء محطات جديدة تبقى تحديًا كبيرًا.
تحديات جديدة في عالم الطاقة
تقول أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، إن ملف الطاقة العالمي يزداد تعقيدًا، خاصة مع الاستهداف المتكرر للبنية التحتية الطاقوية. وقد أعادت هذه التوترات تشكيل أولويات الدول، حيث عاد ملف الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة النووية، إلى الواجهة كخيار استراتيجي.
فرنسا، التي تُعد أكبر منتج للطاقة النووية في أوروبا، تعمل على تعزيز أمنها الطاقوي من خلال خطط لإنشاء 6 مفاعلات نووية جديدة. بينما ألمانيا، التي اتخذت قرارًا بالتخلي عن الطاقة النووية، تواجه تحديات متزايدة في اعتمادها على الغاز الطبيعي.
تتجه الدول الأوروبية نحو إعادة تقييم استراتيجياتها الطاقوية، حيث بدأت إيطاليا وبلجيكا في إعادة النظر في سياسات استخدام المفاعلات النووية. هذه التحولات تشير إلى قناعة متزايدة بأن الطاقة النووية تمثل خيارًا مستدامًا، لكن تأمين مخزونات اليورانيوم سيظل العامل الحاسم في تحقيق الاستقلالية.
في النهاية، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من التفكير في الطاقة النووية كبديل رئيسي للنفط والغاز، لكن التحديات تبقى قائمة، مما يتطلب توازنًا دقيقًا بين الطموحات والقيود.
المزيد في العالم • الطاقة • النفط • الغاز • الطاقة النووية

