في خضم التوترات المتصاعدة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، يبرز سؤال ملح حول طبيعة السياسة الإيرانية: هل هي دولة ممانعة تسعى لتعطيل الهيمنة الغربية، أم أنها نظام سلطوي يعيد إنتاج الأزمات في الشرق الأوسط؟
السياسة الإيرانية
هذا الجدل غالبًا ما يقع في فخ ثنائية مضللة، حيث نجد أنفسنا محاصرين بين خيارين: إما قبول السردية الغربية التي تبرر التدخلات الخارجية تحت مسميات الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو الانزلاق نحو رؤية تعطي صك براءة للأنظمة لمجرد معارضتها للولايات المتحدة. هكذا، نجد أنفسنا أمام خيار زائف: إما تقديس إيران كدولة مقاومة، أو إدانتها كقوة سلطوية.
تحليل أعمق للسياسة الإيرانية
لكسر هذه الثنائية، يمكننا استخدام أدوات الاقتصاد السياسي النقدي لفهم أعمق للدولة الإيرانية. هذا المنهج لا يقتصر على تحليل سلوك الدول من خلال تموضعها الخارجي، بل يتناول بنيتها الاجتماعية والاقتصادية وطبيعة علاقات الإنتاج التي تحكم سلوكها.
في إيران، يلعب الحرس الثوري والمؤسسات الوقفية (بنياد) دورًا محوريًا، حيث تعمل هذه الكيانات كآليات ضخمة لمراكمة رأس المال. من خلال هيمنتها على قطاعات حيوية مثل الطاقة والإنشاءات، تشكل هذه المؤسسات ما يشبه “أوليغارشية” مالية-عسكرية تقود عمليات واسعة لتركيز الثروة.
على الرغم من أن الثورة الإيرانية قد قدمت صورة للدولة “المقاومة للإمبريالية”، إلا أنها في الواقع لم تقدم بديلاً حقيقيًا للرأسمالية، بل قدمت نسخة محرفة منها. فخلف هذه الصورة، نجد نموذجًا كلاسيكيًا لرأسمالية الدولة البيروقراطية، حيث لا تلغى علاقات الاستغلال الرأسمالي، بل تُدمج وتُدار عبر أجهزة الدولة.
العنف الهيكلي ضد الحركة العمالية — إيران
تفسر هذه البنية الاقتصادية العنف الهيكلي الذي مارسته الدولة الإيرانية ضد الحركة العمالية منذ عام 1979. فقد بدأت الدولة بتصفية المجالس العمالية المستقلة، ثم تبعتها موجات من الاعتقالات والإعدامات التي طالت نشطاء عماليين ويساريين. هذا العنف لم يكن مجرد عرض جانبي للصراع السياسي، بل كان شرطًا مسبقًا لكسر القوة التفاوضية لأي جهة خارج سيطرة الدولة.
إلى اليوم، يعتمد النظام على تفتيت أي تنظيم نقابي مستقل لضمان استمرار سياسات الأجور المنخفضة. هذا التوجه يفسر تمركز الاحتجاجات الحالية في القطاعات الإنتاجية مثل البتروكيماويات والصلب.
التوزيع الجغرافي للصناعات — السياسة
تتبع الدولة سياسة التنمية غير المتكافئة، حيث تتركز الصناعات الثقيلة في مناطق جغرافية بعيدة عن المركز السياسي في طهران، مثل خوزستان. هذا التوزيع لا يعكس فقط ضرورات لوجستية، بل يمثل “هندسة مكانية” تهدف إلى إدارة الأزمات واحتواء الاحتجاجات.
عندما تندلع الإضرابات في هذه الأطراف، تستطيع الأجهزة الأمنية محاصرتها إعلاميًا، مما يمنع امتدادها إلى العاصمة. هكذا، تُستخدم السلطة الحيز المكاني لمحاصرة الحركة العمالية ومنع تبلور جبهة موحدة.
التقاطع بين الاستغلال والتمييز القومي — الاقتصاد
لا يعمل الاستغلال الاقتصادي في إيران بمعزل عن التمييز القومي. فإيران دولة متعددة القوميات، وأي تحليل لديناميات السيطرة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المسألة القومية. على سبيل المثال، تُستنزف الموارد الطبيعية في خوزستان لتغذية المركز، بينما تعاني المجتمعات المحلية من الفقر والبطالة.
هذا التهميش الاقتصادي يترافق مع عسكرة وقبضة أمنية مفرطة، حيث تسجل مناطق مثل سيستان وبلوشستان معدلات أعلى للإعدام مقارنة بباقي المناطق. لذا، ليس من الغريب أن يكون شعار “امرأة، حياة، حرية” قد انطلق من كردستان خلال انتفاضة 2022.
التفاوت الاقتصادي في إيران
اجتماعيًا، تعاني إيران من تفاوت اقتصادي شديد، حيث يسيطر 1% من الإيرانيين على نحو 29% من إجمالي ثروة البلاد، بينما يعيش أكثر من 30% تحت خط الفقر. هذا التفاوت ليس صدفة، بل هو نتيجة سياسات اقتصادية تسبب معدلات تضخم مزمنة.
في النهاية، تبقى إيران دولة تعاني من تناقضات داخلية وخارجية، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع القضايا القومية، مما يجعل من الصعب فهم الوضع الراهن دون النظر إلى هذه التعقيدات.
المصدر: aljazeera.net
المزيد في العالم • إيران • السياسة • الاقتصاد • الشرق الأوسط

