تُعد قلعة قايتباي، الواقعة على شاطئ الإسكندرية، رمزًا يجسد تاريخًا عريقًا يمتد عبر الزمن، حيث تلتقي الأسطورة بالواقع. هذه القلعة ليست مجرد معلم أثري، بل هي بوابة إلى عالم من الذكريات الغارقة، حيث يختبئ تحت سطح البحر جزء كبير من تاريخ المدينة.
قلعة قايتباي
تأسست قلعة قايتباي في عام 1477، بأمر من السلطان الأشرف قايتباي، الذي كان يدرك تمامًا أهمية حماية الإسكندرية من التهديدات البحرية. فقد كانت المدينة في ذلك الوقت عرضة للهجمات، لذا قرر بناء هذه القلعة في موقع منارة الإسكندرية القديمة، التي كانت تُعتبر إحدى عجائب العالم السبع.
تاريخ القلعة وأهميتها — الإسكندرية
تتميز قلعة قايتباي بموقعها الاستراتيجي عند مدخل الميناء الشرقي للإسكندرية، مما جعلها نقطة مراقبة حيوية لحركة السفن. وقد أشار الخبير في الآثار البحرية، محمد مصطفى، إلى أن القلعة بُنيت فوق بقايا المنارة، مما يضفي عليها طابعًا تاريخيًا فريدًا. فبينما لا تزال بعض بقايا المنارة غارقة تحت الماء، تظل القلعة شامخة فوق السطح، شاهدة على تاريخ طويل من الصراعات والتغيرات.
تاريخ القلعة لا يقتصر على كونها حصنًا عسكريًا، بل كانت أيضًا مجتمعًا متكاملاً يضم مساجد وغرف للجنود ومخازن للأسلحة، مما يعكس الحياة اليومية للجنود الذين كانوا يحرسون المدينة. وقد استُخدمت القلعة خلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، مما أضاف إلى تاريخها المزيد من الأبعاد العسكرية.

المدينة الغارقة — آثار غارقة
عندما نغوص تحت سطح البحر، نكتشف عالمًا آخر. هناك، في أعماق البحر، تنتشر أعمدة حجرية وتماثيل غارقة، وكأنها تجمدت في لحظة سقوطها. هذه الآثار ليست مجرد بقايا عشوائية، بل هي أجزاء من مدينة تاريخية متكاملة غرقت تحت الماء، مما يعكس غنى تاريخ الإسكندرية.
يؤكد أشرف القاضي، المدير العام لمتحف الإسكندرية القومي، أن الإسكندرية لا يمكن فهمها من خلال ما يظهر فوق الأرض فقط، بل يجب النظر أيضًا إلى ما تخفيه الأعماق. فهناك آثار للقصور والموانئ القديمة تنتظر من يعيد قراءتها، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم تاريخ المدينة.
التوازن بين الغرق والصمود — تاريخ مصر
تُعتبر قلعة قايتباي نقطة توازن بين عالمين: عالم ظاهر يمكن زيارته، وآخر غارق لا يمكن الوصول إليه إلا عبر العلم والاستكشاف. فبينما غرق جزء من تاريخ الإسكندرية، لا يزال جزء آخر صامدًا فوق السطح، مما يجعل القلعة رمزًا للذاكرة الجماعية للمدينة.
في النهاية، تُظهر رحلة استكشاف قلعة قايتباي أن التاريخ لا يختفي، بل يتغير مكانه. البحر، الذي أخفى المدينة، هو أيضًا الذي حفظها. ومع كل اكتشاف تحت الماء، نعيد جزءًا من الماضي إلى السطح، مما يجعل الإسكندرية حية في الذاكرة.
المصدر: alaraby.com

