هل تتحول العلاقة بين أمريكا وسوريا إلى شراكة دائمة؟

0
19
هل تتحول العلاقة بين أمريكا وسوريا إلى شراكة دائمة؟

العلاقة بين أمريكا وسوريا تتجه الأنظار نحو العلاقات المتجددة بين الولايات المتحدة وسوريا، حيث تكشف دراسة حديثة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، بعنوان “سوريا والولايات المتحدة: إعادة بناء العلاقة واختبار مسارها”، للباحث عبد الوهاب عاصي، عن تحول جذري في هذه العلاقات بعد سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024. هذا التحول لم يكن مجرد تحسن عابر، بل يمثل انتقالًا حادًا نحو الانفتاح والتنسيق، بعيدًا عن سياسات الاحتواء والعقوبات التي سادت لعقود.

العلاقة بين أمريكا وسوريا

منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام، سعت دمشق إلى إعادة تعريف نفسها كشريك محتمل للولايات المتحدة، مستفيدة من الإرهاق الأمريكي من نماذج التدخل السابقة. وفي المقابل، أبدت واشنطن استعدادًا لالتقاط هذه الإشارات، حيث بدأت في اتخاذ خطوات تدريجية لإعادة فتح القنوات السياسية والأمنية، وصولًا إلى رفع العقوبات بشكل شبه كامل خلال فترة قصيرة.

من الاحتواء إلى إعادة التعريف — أمريكا

تظهر الدراسة أن فهم هذا التحول يتطلب العودة إلى طبيعة العلاقة قبل عام 2024، حيث كانت واشنطن تتعامل مع دمشق من خلال ثلاثية الاحتواء والضغط والتواصل المحدود. لم تكن العلاقة قائمة على شراكة حقيقية، بل كانت تدور حول إدارة التوتر، حتى في لحظات الانفتاح النسبي.

ومع بداية الألفية، خاصة بعد عام 2003، دخلت العلاقة مرحلة أكثر صرامة، حيث تحولت من ضغط سياسي إلى ضغط تشريعي عبر قوانين مثل “محاسبة سوريا” و”قيصر”، مما جعل أي انفتاح لاحق أكثر تعقيدًا. لذا، فإن ما حدث بعد سقوط النظام يمثل كسرًا لمسار طويل، أعاد تعريف موقع سوريا في الحسابات الأمريكية.

لحظة التحول — سوريا

تحدد الدراسة نقطة التحول في اللقاء الذي جمع بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض عام 2025، حيث اعتُبر هذا اللقاء بمثابة إعلان سياسي عن بداية مسار جديد. ومع ذلك، لم يكن هذا اللقاء نقطة البداية بقدر ما كان تتويجًا لمسار بدأ قبل ذلك، حيث حرصت القيادة السورية الجديدة على إرسال رسائل تطمينية تتعلق بأولويات واشنطن، مثل مكافحة الإرهاب وتقليص نفوذ إيران.

استجابت واشنطن لهذه الرسائل بخطوات تدريجية، بدأت بإجراءات بناء الثقة، مثل تعليق بعض العقوبات وإرسال وفود دبلوماسية، ثم تطورت إلى تعاون أمني مباشر، وصولًا إلى إعادة هيكلة كاملة لمسار العقوبات. هذا التدرج يكشف أن العلاقة لم تُبنى على اندفاعة سياسية فقط، بل على اختبار متبادل لقدرة كل طرف على الالتزام بما يطرحه.

الشراكة بشروط — العلاقات الدولية

توضح الدراسة أن الانفتاح لم يتحول إلى تحالف مفتوح، بل بقي محكومًا بمحددات واضحة ترسم إطار العلاقة. ومن اللافت أن هذه المحددات لم تعد تُستخدم فقط كأدوات ضغط، بل كمعايير لقياس مدى التقدم في العلاقة.

في مقدمة هذه المحددات يأتي ملف الانتقال السياسي، حيث لا تفرض واشنطن نموذجًا جاهزًا للحكم، لكنها تشترط نظامًا قادرًا على تحقيق قدر من التمثيل والاستقرار، مما يعكس مراجعة للنهج الأمريكي السابق. كما يبرز ملف مكافحة الإرهاب كأحد النقاط الأساسية، حيث تسعى واشنطن إلى نقل العبء الأمني تدريجيًا إلى دمشق، تمهيدًا لإنهاء وجودها العسكري المباشر.

براغماتية تحت الضغط

تظهر الدراسة أن دمشق تعاملت مع هذه المحددات كمساحات تقاطع أكثر منها قيودًا، حيث تبنت مقاربة براغماتية تقوم على الاستجابة الانتقائية. في ملف مكافحة الإرهاب، انخرطت دمشق في عمليات مشتركة وسعت إلى بناء قدرات ذاتية، مما جعل هذا الملف مدخلًا عمليًا لبناء الثقة مع واشنطن.

أما فيما يتعلق بنفوذ إيران، فقد اتخذت دمشق خطوات أمنية لتفكيك الشبكات المرتبطة بها، مما أسهم في تعزيز التعاون بين الطرفين. ومع ذلك، فضلت دمشق التدرج في الملفات الأكثر حساسية، مثل الانتقال السياسي، ساعية لتحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار وضغوط الإصلاح.

العقدة الإسرائيلية

تخلص الدراسة إلى أن العلاقة مع إسرائيل تمثل العقدة الأكثر تعقيدًا في مسار التقارب. بينما ترى واشنطن أن التطبيع جزء من إعادة تشكيل المنطقة، تربط دمشق أي تقدم بانسحاب إسرائيلي واضح من الأراضي التي سيطرت عليها بعد عام 2024. ورغم وجود مسارات تفاوضية غير مباشرة، فإنها لم تُحدث تحولًا جوهريًا، حيث استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا، مما يجعل هذا الملف عنصر ضغط دائم.

الخلاصة

تقدم الدراسة صورة لعلاقة تُعاد صياغتها بسرعة، لكنها لم تستقر بعد. ترى دمشق في الانفتاح الأمريكي فرصة تاريخية لإعادة التموضع، بينما ترى واشنطن في سوريا اختبارًا لنموذج جديد في سياستها الخارجية. لكن هذا التقارب، رغم زخمه، يظل محكومًا بمعادلة دقيقة: التقدم ممكن، لكنه مشروط، والاستمرار ممكن، لكنه غير مضمون. والسؤال هنا ليس ما إذا كانت العلاقة ستستمر، بل إلى أي حد يمكن أن تتقدم قبل أن تصطدم بقيودها.

المصدر: aljazeera.net

المزيد في أخبار الشرق الأوسطأمريكاسورياالعلاقات الدوليةالشرق الأوسط