تربية الحلزون تونس مع غروب الشمس، يعود سفيان الكنزاري إلى قريته الصغيرة في محافظة منوبة شمال تونس. للوهلة الأولى، قد يبدو المكان كأي مزرعة تقليدية تزرع الخضروات، لكن سرعان ما يتضح أن هناك مشروعًا فريدًا يجري في هذه الأرض: تربية الحلزون، أو ما يعرف محليًا بـ “الببوش”.
تربية الحلزون تونس
تعتبر تربية الحلزون مجالًا غير مألوف في تونس، حيث يتم تربية هذه الكائنات الصغيرة في ظروف دقيقة وعناية خاصة، قبل أن تصل إلى المطابخ والمطاعم الراقية. سفيان، الذي بدأ مغامرته في هذا القطاع الفلاحي بحثًا عن فرصة استثمارية جديدة، اختار تربية الحلزون بعد تردد بين عدة خيارات، ليبدأ مشروعه الذي يعتمد على نوعين رئيسيين هما “الرمادي الكبير” و”الرمادي الصغير”.
دورة حياة الحلزون: من البيضة إلى المائدة
تبدأ دورة إنتاج الحلزون من مرحلة التفقيص، حيث لا يتجاوز وزن الحلزون 0.04 غرام، ثم ينتقل إلى مرحلة التسمين التي تستغرق من ستة إلى سبعة أشهر، ليصل وزنه إلى ما بين 17 و25 غرامًا. لكن تربية الحلزون ليست مجرد عملية زراعية، بل هي نشاط موسمي يتطلب ظروفًا مناخية خاصة. إذ تبدأ دورة الإنتاج في أواخر مايو/أيار وتستمر حتى يونيو/حزيران، حيث يفضل الحلزون درجات حرارة تتراوح بين 17 و23 درجة مئوية.
مع حلول الصيف، تُنقل “الأمهات” إلى غرف تبريد للحفاظ على درجة حرارة منخفضة، مما يساعدها على الدخول في حالة سبات استعدادًا لدورة التكاثر في سبتمبر/أيلول. يعتمد سفيان في مشروعه على توفير بيئة رطبة من خلال الري المنتظم، مع تغذية تعتمد على الخضروات الورقية والأعلاف المركبة. تتراوح الطاقة الإنتاجية السنوية بين 6 و20 طنًا، حسب ظروف الموسم.
الحلزون: من المائدة التقليدية إلى المطابخ الراقية
يعتبر الحلزون جزءًا لا يتجزأ من المائدة التونسية، خاصة في المناطق الداخلية. الوصفة التقليدية لتحضيره تتطلب عدة مراحل، بدءًا من تنظيفه بعناية، ثم وضعه في وعاء مع قليل من السميد لتنظيف جهازه الهضمي. بعد ذلك، يُسلق الحلزون في ماء مضاف إليه أعشاب عطرية مثل إكليل الجبل وورق الغار، مما يقلل من رائحته الطبيعية ويختصر زمن الطهي.
تقول ياسمينة، سيدة ستينية من محافظة القصرين: “كنا نلتقط الحلزون بعد الأمطار، أما اليوم فقد أصبح يُربى ويُباع في السوق”. وتضيف: “نحضّر المقفول لطهي الحساء بمكونات بسيطة تشمل الزيت والطماطم والبصل والثوم والفلفل الأحمر المهروس”.
التحديات التي تواجه مربي الحلزون
رغم وجود عدد من مراكز تربية الحلزون في تونس، إلا أن معظمها غير مسجل رسميًا لدى وزارة الفلاحة، مما يعيق نمو هذا القطاع. يواجه المربون تحديات تتعلق بالتسويق، حيث يضطرون إما لبيع الحلزون حيًا للمطاعم، أو تحويله إلى منتجات مشتقة مثل لحوم الحلزون أو “لعاب الحلزون” المستخدم في الصناعات التجميلية.
وبحسب أرقام التعاونية المركزية لمربي الحلزون، لا يتجاوز عدد المربين في تونس سبعة، من بينهم أربعة فقط معترف بهم رسميًا. ورغم الطلب الكبير على الحلزون في الأسواق الخارجية، إلا أن التصدير يتطلب التزامًا بمعايير دقيقة تتعلق بنوعية الحلزون ومكان تربيته.
آفاق المستقبل: بين الطموح والواقع — الحلزون
بينما يواجه مربي الحلزون تحديات عديدة، يبقى الأمل معقودًا على تجاوز هذه العقبات. يرى الكثيرون أن الحلزون يمكن أن يتحول من كائن صغير في البراري إلى مورد اقتصادي حقيقي في المستقبل. ومع دعم الحكومة وتوفير التكوين اللازم، قد يصبح هذا القطاع أحد الأعمدة الأساسية في الفلاحة التونسية.
في النهاية، يبقى السؤال: هل ستتحول مزارع الحلزون في تونس إلى منجم ذهب عالمي؟ الإجابة قد تأتي مع الوقت، ولكن المؤشرات الحالية تشير إلى أن هناك إمكانيات واعدة في هذا المجال.
المصدر: aljazeera.net

