منخفض جوي غزة في ليلة عاصفة، كان طفلي يتقلب فوق فراشه، وكأن الأرق يطارده. ظننت في البداية أنه يشتاق لوالده، لكن ما كشفه لي كان أكثر عمقاً. نهض فجأة وتوجه نحو النافذة، حيث وقف طويلاً يراقب مخيمات النازحين التي تهتز تحت وطأة المطر. ثم سألني بصوت خافت: متى سيتوقف الشتاء؟ أدركت أنه يسأل عن الأطفال الذين يرتجفون، وعن العائلات التي لا تملك جداراً يحميها من الرياح القارصة.
منخفض جوي غزة
تروي مراسلة الجزيرة نت في قطاع غزة، يسرى العكلوك، تجربتها الشخصية مع المنخفض الجوي الذي ضرب القطاع منذ العاشر من يناير/كانون الثاني، حيث كانت العائلات تنتظر هذا الفصل كفرصة للاحتفال بطقوسه الخاصة. لكن الحياة انقلبت رأساً على عقب، فالمطر الذي كان يُعتبر نعمة، أصبح يقتحم الخيام، والبرد الذي كان يُهزم بباب مغلق، تسلل من خلال الأقمشة الممزقة.
هشاشة البيوت المهدمة — غزة
اليوم، يمثل الشتاء اختباراً قاسياً لقدرة السكان على التحمل. البيوت المهدمة تعكس هشاشة الوضع، حيث لا جدران تحمي من العواصف. أعيش مع أطفالي في بيت والدي، بعد أن نزحت إليه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. غطينا الزجاج المحطم بنايلون رقيق، يصدر صفيراً كلما هبت الريح، وكأن البيت نفسه يرتجف من الخوف.
في تلك الليلة، كنت أراقب طفلي وهو يقف خلف النافذة، حيث يبدو العالم الخارجي عارياً تماماً. الخيام الضعيفة ترتجف تحت المطر، كأجنحة بلا عظم. تحت زخ المطر، يمكن سماع صوت الكارثة، حيث بكاء الأطفال وصراخ النساء الذين فقدوا أزواجهم، ينادون على مُعين لتثبيت أوتاد الخيام.
صراع البقاء — الشتاء
كل صراخ وارتجاف يحمل معنى الحرب التي لم تنته. كل يوم إضافي في المخيم هو صراع للبقاء، يحاكي حياتنا اليومية منذ بداية الحرب. أشعر بالعجز في ترجمة هذا البؤس إلى نص، وفي كل مرة أمسك فيها قلمي، يراودني الحنق. كيف يمكنني وصف ما أراه بعيني؟ كيف أصف صرخات الأطفال الذين يرتدون الملابس الأخف، ووجوه النساء اللواتي فقدن كل شيء؟
ومع ذلك، أكتب سطراً شاهداً على حياة تنهار في كل لحظة. الصحافة تبدو كمحاولة يائسة لتوصيل صوت أولئك الذين لا يسمعهم أحد. الناس في غزة يغوصون في الطين، أطفال حفاة، وآخرون بأحذية مهترئة، يحاولون البحث عن مأمن يبعد السيل عن خيامهم.
واقع مرير — المنخفض الجوي
الشوارع المعبدة باتت نادرة، ومعظمها جرفته السيول، فتحولت إلى طين ممزوج بمياه الصرف الصحي. يحاول البعض وضع حجارة لخلق عتبة صغيرة تمكنهم من تجاوز المستنقعات. غرق وخراب ليس من فعل الريح، بل من يد هندست لنا حرباً بعد حرب، تركت كل شيء مائلاً وهشاً.
هذه الحرب الصامتة تجعل من مأساتنا مشروعاً مفتوحاً، تتغير دون أن تذوب، وتبقى قصتنا حية في كل كلمة نكتبها.
المصدر: aljazeera.net
المزيد في العالم • غزة • الشتاء • المنخفض الجوي • معاناة السكان

