المشاحنات رمضان مع اقتراب ساعات العصر في شهر رمضان المبارك، تتجلى الأجواء الروحانية التي تمنح هذا الشهر طابعه الفريد. إلا أن هذه السكينة سرعان ما تهتز عندما يقترب موعد الإفطار، حيث ترتفع وتيرة التوتر لدى بعض الصائمين، مما قد يؤدي إلى تحوّل المواقف البسيطة إلى مشاحنات قد تتطور أحياناً إلى اشتباكات. وكأن اللحظات التي يُفترض أن تكون ذروة الهدوء أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الإنسان على ضبط نفسه.
المشاحنات رمضان
يواجه كثير من الصائمين صعوبة في التحكم بانفعالاتهم، ويعزون ذلك إلى الجوع أو الإرهاق. لكن المختصين يشيرون إلى أن المسألة أعمق من هذه التفسيرات السطحية. فهناك عوامل جسدية ونفسية تتداخل معاً، مثل انخفاض مستوى السكر في الدم، تراكم الضغوط اليومية، والانقطاع المفاجئ عن التدخين، بالإضافة إلى الازدحام الشديد الذي يسبق الإفطار.
تشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدل المشاجرات في هذا التوقيت تحديداً، حيث يتسابق الجميع للوصول إلى منازلهم، مما يزيد من الاحتكاك ويتسع دائرة الخلافات. ولا تقف آثار هذه المشادات عند حدود التوتر اللحظي، بل قد تتطور إلى قضايا جنائية أو إصابات تستدعي تدخل الجهات الأمنية أو المستشفيات. في بعض الحالات، ينتهي الأمر بندم لا ينفع بعد وقوع الأذى أو تلف الممتلكات، وربما التوقيف أو السجن.
أسباب المشاحنات في رمضان
يؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور جمال الطويرقي، أن هناك من يستطيع التحكم في نفسه والتحلي بالصبر والعفو، فيحافظ على صومه وروحانية الشهر. بينما يعجز آخرون عن السيطرة على انفعالاتهم، فيلجؤون إلى العصبية والصراخ وربما الشجار. ويشير إلى أن الغضب لدى الصائم يؤدي إلى ارتفاع كبير في مستوى الأدرينالين، ما يشكل خطراً على صحة الفرد، إذ قد يتسبب في نوبات قلبية أو موت مفاجئ لدى الأشخاص المهيئين لذلك.
كما يبين الطويرقي أن انخفاض السكر في الدم يزيد من قابلية الصائم للانفعال، لذا من المهم تعويد النفس على الهدوء وتجنب الخروج في أوقات الذروة لمن لا يستطيع التحكم في غضبه. وينصح بإنجاز المستلزمات في وقت مبكر أو التوجه إلى الوجهة المطلوبة قبل الازدحام لتفادي التوتر والمشاجرات.
الصيام ليس مبرراً للشجار — رمضان
من جانبه، شدد أستاذ الدعوة والإصلاح الدكتور محمد بشير حداد، على أن الصيام لا يُعد مبرراً لوقوع المشاجرات أو الحوادث في رمضان. فالمسلم الحق يصوم عن الطعام والشراب كما تصوم جوارحه عن المعاصي، ويتدرب على ضبط النفس والصبر. وأضاف أن رمضان فرصة عظيمة للتسامح والتعاون بين أفراد المجتمع، وأن الانفعالات والمشاجرات تُفسد هذه الأجواء وتؤثر سلباً على روحانية الشهر.
ودعا حداد إلى تجنب السلوكيات التي قد تؤدي إلى المشاجرات، وابتغاء الأجر من الله تعالى، مؤكداً أن الدين شدد على حفظ الأنفس وعدم الإضرار بالآخرين مهما كانت الأسباب، وأن هناك طرقاً نظامية وقانونية لاسترداد الحقوق دون اللجوء إلى العنف.
العقوبات القانونية للمشاجرات — المشاحنات
أوضحت المحامية والمستشارة القانونية نجود القاسم، أن عقوبات المشاجرات تختلف باختلاف نوع الاعتداء، سواء كان ضرباً على الوجه أو ركلة باليد أو القدم، أو استخدام سلاح أبيض أو ناري. وترجع العقوبة إلى مقدار الضرر الواقع على المجني عليه.
وأضافت أنه في الحالات التي تتجاوز فيها مدة الشفاء 15 يوماً، تتحول القضية من جنحة إلى جناية، ما يغيّر طبيعة العقوبة. كما ينظر القضاء إلى حجم الضرر والأدوات المستخدمة ومدة الشفاء عند إصدار الحكم. وأكدت أن العقوبة تقديرية وتعود للقاضي، وقد تشمل السجن أو الجلد أو الغرامة أو جميعها، خاصة إذا كان هناك تهديد للأمن العام.
وحذرت القاسم من أن بعض المشاجرات قد تصل إلى القتل أو إحداث أضرار جسيمة، وقد تندرج تحت أحكام القتل شبه العمد، وهو ما يحدث عندما يتسبب الجاني في وفاة شخص دون قصد؛ نتيجة خطأ أو تهور أو نوبة غضب.
في النهاية، يبقى رمضان فرصة للتأمل والتسامح، ويجب على الجميع أن يسعى للحفاظ على روحانية هذا الشهر الكريم من خلال ضبط النفس وتجنب المشاحنات.
المصدر: okaz.com.sa

