معركة الأرمادا: صراع التاريخ بين إنجلترا وإسبانيا

0
40
bhc0263-1770128689

تُعتبر معركة الأرمادا التي وقعت في عام 1588 نقطة تحول هامة في تاريخ أوروبا، حيث واجه الأسطول الإسباني الضخم، المعروف بـ”الأرمادا التي لا تُقهر”، هزيمة قاسية على يد إنجلترا قبالة السواحل الفرنسية. لم تكن هذه الهزيمة مجرد خسارة عسكرية، بل كانت ضربة قوية لهيبة إسبانيا، التي كانت تُعتبر القوة العظمى في ذلك الوقت.

معركة الأرمادا

تسببت هذه المعركة في إحباط طموحات إسبانيا في إخضاع إنجلترا وإعادة فرض الكاثوليكية فيها، مما أفسح المجال لصعود البروتستانتية وتعزيز مساعي استقلال هولندا. كما ساهمت الهزيمة في إعادة تشكيل موازين القوى في أوروبا، حيث بدأت إسبانيا تفقد تفوقها البحري، بينما بدأت إنجلترا في الظهور كقوة بحرية ناشئة، مما مهد الطريق لتحولها إلى إمبراطورية استعمارية كبرى في المستقبل.

عودة الأرمادا في العصر الحديث — تاريخ

بعد أكثر من أربعة قرون، عادت كلمة “الأرمادا” لتظهر في الخطاب السياسي، ولكن هذه المرة في سياق مختلف. ففي أواخر يناير/كانون الثاني 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إرسال تعزيزات عسكرية ضخمة إلى الشرق الأوسط، مُطلقاً عليها اسم “الأرمادا”، حيث برر هذه الخطوة بالسعي لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب أوسع.

تجدر الإشارة إلى أن كلمة “الأرمادا” تعني البحرية باللغة الإسبانية، ولا تزال البحرية الإسبانية تُعرف بهذا الاسم، الذي أطلقه الملك فيليب الثاني.

الخلفية التاريخية للصراع — إنجلترا

شهدت العلاقات بين إنجلترا وإسبانيا فترات من الود حتى أواخر خمسينيات القرن السادس عشر. فقد كان الملك الإسباني فيليب الثاني متزوجاً من الملكة الإنجليزية ماري تيودور، ولكن بعد وفاتها في عام 1558، عرض الزواج على أختها غير الشقيقة إليزابيث الأولى، التي رفضت عرضه.

مع مرور الوقت، تدهورت العلاقات بين البلدين، حيث كانت الخلافات الدينية في مقدمة أسباب هذا التدهور. تبنت إسبانيا المذهب الكاثوليكي، بينما تبنت إليزابيث الأولى البروتستانتية، مما أدى إلى تصاعد التوترات.

التصعيد نحو الحرب — إسبانيا

بدأت إليزابيث الأولى بدعم الثورة الهولندية ضد الحكم الإسباني في عام 1572، مما أدى إلى إرسال قوات إنجليزية لدعم الثوار. هذا الدعم كان بمثابة إعلان حرب على إسبانيا، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع فيليب الثاني.

تزايدت التوترات بعد اكتشاف مؤامرات إسبانية لاغتيال إليزابيث الأولى، مما دفعها إلى إصدار أمر بإعدام ماري ستيوارت، التي كانت تُعتبر تهديداً لعرشها. هذا الأمر زاد من رغبة فيليب الثاني في الانتقام واستعادة حقوقه في عرش إنجلترا.

التحضيرات العسكرية

في إطار مشروع غزو إنجلترا، أعدت إسبانيا خطة لبناء أسطول ضخم، والذي اكتمل بحلول عام 1587. ومع ذلك، تسربت الأخبار إلى الإنجليز، مما دفع السير فرانسيس دريك إلى مهاجمة ميناء قادس وتدمير جزء كبير من الأسطول الإسباني.

في مايو/أيار 1588، انطلق الأسطول الإسباني من ميناء لشبونة، ولكن العواصف أجبرته على العودة. بعد إعادة تنظيم صفوفه، أبحر مرة أخرى ليصل إلى الساحل الجنوبي لإنجلترا في 19 يوليو/تموز، حيث كانت إنجلترا قد استعدت للمواجهة.

المواجهات البحرية

تولى قيادة الأسطول الإسباني دوق مدينة ميدينا-سيدونيا، الذي كان معروفاً بخبرته في التخطيط، ولكن خبرته البحرية كانت محدودة. كان الأسطول يتكون من نحو 130 سفينة مزودة بـ2500 مدفع، وعلى متنها نحو 8 آلاف بحار و20 ألف جندي.

في المقابل، قاد الأسطول الإنجليزي اللورد تشارلز هوارد ونائبه السير فرانسيس دريك، حيث كان لديهم نحو 200 سفينة، من بينها حوالي 40 سفينة حربية. خلال الأسبوعين التاليين، دارت معارك متفرقة بين الأسطولين، حيث استخدم الإنجليز تكتيكات قصف بعيدة المدى لتفادي الالتحام المباشر.

على الرغم من أن الإنجليز لم يتمكنوا من إلحاق أضرار كبيرة بالأرمادا، إلا أن نقص الذخائر لدى الإسبان أتاح للإنجليز الاقتراب أكثر، مما أدى إلى معارك حاسمة في القناة الإنجليزية.

تُظهر هذه المعركة كيف يمكن أن تؤثر الأحداث التاريخية على مجريات الأمور في العالم، حيث لا تزال تداعياتها تُشعر بها حتى اليوم.

المصدر: aljazeera.net

المزيد في السياسةتاريخإنجلتراإسبانيامعارك بحرية