كيف صمدت ثلاث مناطق في شمال دارفور أمام التحديات؟

0
88
1001371646-1767792538

صمود مناطق شمال دارفور على تخوم الحدود السودانية التشادية، تبرز ثلاث مناطق نائية في شمال دارفور، هي الطينة وكرنوي وأمبرو، لتكون مسرحًا لصراع يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. في الوقت الذي تواصل فيه قوات الدعم السريع هجماتها المكثفة، تصطدم هذه القوات بجدار منيع من المقاومة المحلية، المدعومة بجغرافيا صعبة ونسيج اجتماعي متماسك.

صمود مناطق شمال دارفور

في هذه المناطق، لا تُقاس السيطرة بعدد الآليات أو كثافة النيران، بل بمدى تماسك المجتمع المحلي وخبرة مقاتليه في التضاريس الوعرة. ووفقًا لشهادات ميدانية وتقارير مستقلة، تُتهم قوات الدعم السريع باتباع سياسة ممنهجة للتهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية، عبر استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية.

لكن المقاومة الشعبية، التي تصف معركتها بأنها “معركة وجود”، تزداد صلابة مع كل هجوم جديد. وقد تحولت هذه المناطق من مجرد نقاط جغرافية إلى رموز لصمود مجتمعي، مما يضع القوة العسكرية أمام اختبار حقيقي لشرعيتها وقدرتها على البقاء.

أهمية المناطق الجغرافية — دارفور

تقع الطينة وكرنوي وأمبرو في أقصى شمال غرب دارفور، على بعد نحو 340 كيلومترًا من مدينة الفاشر، بمحاذاة الحدود التشادية. تُعد هذه المناطق من آخر المعاقل التي لا تزال تحت سيطرة الجيش السوداني والمجموعات المسلحة المتحالفة معه.

تكتسب هذه المناطق أهميتها من عدة عوامل، منها إرثها التاريخي والنضالي، إذ أنجبت شخصيات بارزة مثل خليل إبراهيم وجبريل إبراهيم ومني أركو مناوي. كما أن قربها من الحدود التشادية يجعلها نقطة عبور حيوية للإمدادات وملاذًا للنازحين. بالإضافة إلى ذلك، فإن طبيعتها الجغرافية الوعرة تمنحها ميزة دفاعية يصعب تجاوزها.

الحياة اليومية للسكان — الدعم السريع

يقطن هذه المناطق أبناء قبيلة الزغاوة، الذين يتمتعون بامتداد اجتماعي وجغرافي عبر الحدود مع تشاد. يُعرف عنهم ارتباطهم التاريخي بالمقاومة المسلحة وولائهم التقليدي للجيش السوداني والحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.

ورغم هذا الإرث النضالي، تعاني هذه المجتمعات من غياب شبه تام للخدمات الأساسية، حيث تُبنى المساكن من القش وتفتقر القرى إلى المدارس والمرافق الصحية. هذا الواقع جعل السكان أكثر التصاقًا بأرضهم وأكثر استعدادًا للدفاع عنها.

الهيمنة على المناطق — المقاومة الشعبية

تخضع الطينة وكرنوي وأمبرو لسيطرة مجموعات مسلحة محلية موالية للجيش السوداني، تضم وحدات من المقاومة الشعبية المحلية وعناصر من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، مع دعم محدود من الشرطة والقوات النظامية. ولغياب قواعد رسمية للجيش في بعض هذه المناطق، فإن السيطرة الفعلية على الأرض تعود للمقاومة الشعبية، التي تتلقى دعمًا واسعًا من المجتمع المحلي.

المواجهات الأخيرة

في ديسمبر/كانون الأول 2025، شنت قوات الدعم السريع هجومًا بريًا واسعًا على هذه المناطق ضمن حملتها للسيطرة على شمال دارفور. لكن الهجوم قوبل بمقاومة شرسة أسفرت عن مقتل أكثر من 200 شخص وفقدان نحو 150 آخرين، مما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين إلى شرق تشاد والأودية القريبة.

وقال أبو بكر أحمد إمام، المتحدث باسم المقاومة الشعبية، إن الهجوم لم يكن لأهداف عسكرية، بل كان يهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها الأصليين، في إطار سياسة ممنهجة للتهجير القسري. وأضاف: “المعركة بالنسبة لنا ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وجود وهوية وكرامة”.

موقف السكان من أطراف الصراع

يميل الولاء الشعبي في هذه المناطق لصالح الجيش والمقاومة الشعبية، نتيجة تجارب سابقة مع قوات الدعم السريع، التي يتهمها السكان بارتكاب انتهاكات واسعة. وقد ساعد النسيج الاجتماعي المتماسك في تنظيم المقاومة وتوفير الدعم اللوجستي، مما يحدّ من قدرة قوات الدعم السريع على التمركز حتى في حال تحقيق تقدم ميداني.

الوضع الإنساني

الوضع الإنساني في هذه المناطق بالغ التدهور، حيث نزح آلاف المدنيين إلى شرق تشاد أو إلى الأودية والغابات المحيطة، هربًا من القصف والمعارك. وقد دُمرت مستشفيات كرنوي وأمبرو كليًا، مما زاد من معاناة السكان في ظل غياب المساعدات الإنسانية وانعدام الخدمات الأساسية.

عوامل الصمود

تتعدد العوامل التي ساعدت على صمود هذه المناطق، منها الطبيعة الجغرافية الوعرة التي تعيق تحركات القوات المهاجمة، وخبرة المجتمعات المحلية في القتال، والدعم الشعبي الواسع للمقاومة. كما أن الامتداد الحدودي مع تشاد يمنحها هامشًا للحركة والإمداد، مما يجعلها “حصونًا طبيعية” يصعب اقتحامها.

مستقبل الصراع

يرى مراقبون أن السيطرة على هذه المناطق لا تزال بعيدة المنال، وأن استمرار المقاومة يعكس حدود القوة العسكرية للدعم السريع. كما أن أي تسوية سياسية مستقبلية ستتأثر بمآلات الصراع في هذه المناطق، التي أصبحت تمثل رموزًا للممانعة المحلية.

ويحذر محللون من أن استمرار المعارك قد يؤدي إلى تدويل الأزمة، خاصة في ظل النزوح المتزايد إلى تشاد، والضغط المتصاعد على المناطق الحدودية.

أبعاد إقليمية للصراع

يقول الدكتور عبد الناصر سلم حامد، مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان بمركز فوكس للأبحاث، إن صمود الطينة وكرنوي وأمبرو يعكس تحول الحرب في دارفور من معركة للسيطرة على المدن إلى صراع أعمق على القبول المجتمعي. وقد أظهرت هذه المناطق تماسكًا اجتماعيًا وجغرافيا معقدة، مما كشف حدود القوة العسكرية حين تنفصل عن الحاضنة الشعبية.

في النهاية، تكشف المعارك في الطينة وكرنوي وأمبرو أن الحرب في دارفور لم تعد مجرد مواجهة بين جيش نظامي وقوة شبه عسكرية، بل تحولت إلى صراع أعمق يتجاوز الحدود التقليدية.

المصدر: aljazeera.net

المزيد في السياسةدارفورالدعم السريعالمقاومة الشعبيةالأزمة الإنسانية