أم كلثوم وفيروز: مقارنة غير عادلة بين صوتين عظيمين

0
31
أم كلثوم وفيروز: مقارنة غير عادلة بين صوتين عظيمين
أم كلثوم وفيروز: مقارنة غير عادلة بين صوتين عظيمين

في عالم الموسيقى العربية، تبرز أسماء لامعة مثل أم كلثوم وفيروز، ولكن ما بينهما من اختلافات لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة صراع أو اختبار ولاء. فبدلاً من ذلك، يجب أن نحتفي بتجربتين فنيتين فريدتين، كل منهما تحمل طابعها الخاص وتاريخها المميز.

كلثوم وفيروز

المقارنة: من الفن إلى الاختبار الوطني — موسيقى

تُطرح المقارنات بين أم كلثوم وفيروز غالبًا ليس من منظور فني بحت، بل كوسيلة لفرض ذوق معين باسم الوطنية. فبدلاً من أن تكون هذه المقارنات محاولة لفهم الاختلافات الموسيقية، تتحول إلى اختبار انتماء يُجبر الأفراد على تحديد مواقفهم، مما يحول الفن من مساحة حرية إلى ساحة اصطفاف.

المشكلة ليست في أم كلثوم أو فيروز بحد ذاتهما، بل في كيفية استخدام اسميهما. فكلتاهما تمثلان تجارب فنية مختلفة، لكن المقارنة القسرية تفترض معيارًا واحدًا للذوق، مما يُلغي التنوّع ويقضي على جماليات الفن.

الذوق الفني: لا يمكن قياسه بمعايير موحدة — ثقافة

تُفترض المقارنة أن الذوق يمكن ترتيبه وفق سلم تفاضلي موحد، وكأن التجارب الفنية تقاس بالحجم أو الشهرة. هذا المنطق يتجاهل أن الفن يعمل ضمن سياقات مختلفة، وأن الاختلاف هو شرط الإبداع وليس عيبه. لذا، يصعب وضع أم كلثوم وفيروز في ميزان واحد، لأن كل محاولة للمفاضلة تؤدي إلى الإقصاء.

أم كلثوم: ظاهرة موسيقية متكاملة — فنون

لا يمكن فهم تجربة أم كلثوم خارج سياقها التاريخي. فهي ليست مجرد صوت طربي، بل ظاهرة موسيقية أسهمت في تشكيل علاقة عميقة بين الجمهور العربي والموسيقى. ومعها، تشكل طقس الاستماع الذي يتضمن الانتظار الجماعي للأغنية، مما يخلق تجربة فريدة من نوعها.

هذا الامتداد الزمني والجغرافي منح أم كلثوم مكانة مرجعية في الوجدان العربي، لا بوصفها معيارًا إلزاميًا، بل كأرضية مشتركة تشكلت عبر الزمن.

فيروز: صوت الحميمية والذاكرة

على الجانب الآخر، جاءت تجربة فيروز في زمن مختلف، حيث قدمت صوتًا يعكس الحميمية والارتباط بالمكان والذاكرة اليومية. هذه الخصوصية لا تقلل من قيمتها، بل تضعها في سياق مغاير، حيث تُعتبر تجربة فريدة لا تحتاج إلى مقارنة مع تجربة أخرى.

الوطنية وعبء المقارنة

تزداد إشكالية المقارنة عندما تُحمَّل بالوطنية. قد يبدو القول إن أم كلثوم تمثل مصر وإن فيروز تمثل لبنان توصيفًا ثقافيًا، لكنه يصبح عبئًا عندما يتحول إلى إلزام. هنا، يصبح الذوق واجبًا، ويتحول الاستماع إلى امتحان انتماء، مما يهدد حرية الفرد في التعبير عن ذوقه.

السلطة وتسييس الذوق الفني

السلطة لا تعادي الفن، بل تعادي حريته. كما أشار الفيلسوف السوري صادق جلال العظم، فإن الأنظمة تحب الفن عندما يكون قابلًا للتوظيف، وتخشاه عندما يحتفظ باستقلاله. لذا، يُستخدم الفن لتوحيد المشاعر وضبط الذوق العام بدلاً من تحريره.

شهادات تدحض الإلزام

اختزال أم كلثوم في إطار قومي ضيق لا يصمد أمام الوقائع. العديد من الشخصيات الثقافية، مثل الصحافي المصري مفيد فوزي، أعربوا عن إعجابهم بفيروز دون أن يروا في ذلك تناقضًا. هذا النوع من الحرية في التعبير عن الذوق هو ما يجب أن يُحتفى به.

الخلاصة: الفن يُحب ولا يُفرض

لا يمكن المقارنة بين أم كلثوم وفيروز، لأن كل منهما تمثل تجربة فنية فريدة. الاعتراف بمركزية أم كلثوم لا ينتقص من قيمة فيروز، كما أن محبة فيروز لا تُلغي مكانة أم كلثوم. الفن هو مساحة للحرية، والذوق هو تجربة شخصية، وأي محاولة لاستخدام الوطنية لفرض تفضيل موسيقي هي إساءة للفن وللأفراد على حد سواء.

المصدر: alaraby.com

المزيد في أخبار الشرق الأوسطموسيقىثقافةفنون