أطفال غزة في عيد الفطر: فرحة مفقودة وألعاب محطمة

0
13
أطفال غزة في عيد الفطر: فرحة مفقودة وألعاب محطمة

عيد الفطر غزة في ليلة عيد الفطر الثالث على التوالي، يجلس الطفل يزن أبو شنب (10 أعوام) على بساطٍ خشن مفروش فوق الرصيف، بجوار شادرٍ بسيط صنعته عائلته من ألواح خشبية وأقمشة بالية. لا يشبه المكان خيمة حقيقية، بل هو أقرب إلى “عشة” صغيرة بالكاد تستر أفراد الأسرة. وعلى البساط نفسه، تلهو شقيقة يزن مع أخيها بعلبة بلاستيكية، يقلبانها بين أيديهما كأنها لعبة حقيقية.

عيد الفطر غزة

يمر المارّة بين حين وآخر في الشارع الضيق، بينما يظل الطفلان جالسين على الرصيف. لا توجد ألعاب حولهما، ولا كرات، ولا دراجات صغيرة كما اعتاد الأطفال في مثل هذه الأيام من كل عام. يفتح يزن العلبة البلاستيكية ويغلقها مرارًا، ثم يدفعها نحو أخته لتعيد الحركة نفسها. تبدو اللعبة بسيطة للغاية، لكنها بالنسبة لهما أفضل ما يمكن إيجاده في مكانٍ فقد معظم ملامح الحياة الطبيعية.

عيد بلا ألعاب — أطفال غزة

يقول يزن، وهو ينظر إلى العلبة بين يديه: “في العيد كنت أشتري لعبة جديدة”. يتوقف قليلاً، ثم يضيف بنبرة خافتة: “لكن هذا العام لم نشترِ شيئًا”. يشرح الطفل أن عائلته فقدت مصدر رزقها بعد الحرب، وأن والده لم يعد قادرًا على شراء الألعاب أو الملابس كما كان يفعل في الأعياد السابقة، وبالكاد يكفي المال للطعام.

ورغم بساطة المشهد، تكشف جلسة يزن على الرصيف عن قصة أكبر من مجرد لعبة مفقودة. فالطفل الذي كان ينتظر العيد ليذهب إلى الأسواق ويختار لعبته بنفسه، أصبح اليوم يجلس أمام محل مغلق يلعب بعلبة بلاستيكية فارغة. ومع اقتراب العيد، يبدو أن يزن، مثل آلاف الأطفال، يتعلم مبكرًا كيف يستبدل ألعاب العيد بأشياء صغيرة يجدها مصادفة على الرصيف.

عيد تحت وطأة الحرب — عيد الفطر

يحل عيد الفطر هذا العام على قطاع غزة مثقلاً بنحو عامين و5 أشهر من الحرب والحصار والتجويع والانهيار الاقتصادي. فبينما كانت الأيام الأخيرة من شهر رمضان في السابق تتحول إلى موسم شراء وزيارات عائلية، تبدو المخيمات اليوم غارقة في حالة من الحزن والشرود الذهني، الذي لا يقطعه سوى ضجيج الحياة اليومية في الخيام المكتظة.

في الأزقة الرملية بين الخيام، يكتفي الأطفال بالألعاب الحركية بعد أن نسوا شكل “الكرة، مسدس الخرز، والعرائس”. لا أحد يتحدث عن ملابس العيد أو عن الأراجيح أو حتى عن العيدية التي كانت تشكل أكثر لحظات العيد انتظارا بالنسبة لهم. فالكثير من العائلات فقدت مصادر دخلها بالكامل، بينما ارتفعت أسعار السلع إلى مستويات غير مسبوقة.

تؤكد عائلات نازحة أن فكرة شراء ملابس جديدة للأطفال باتت “رفاهية بعيدة المنال”. فالأولوية أصبحت لتأمين الطعام والماء وبعض الاحتياجات الأساسية. يوضح بلال بدرية (45 عامًا) أنه لا يستطيع شراء كيلو بندورة (طماطم) ثمنه 30 شيكلا (نحو 10 دولارات)، متسائلاً: “من وين نجيبها؟!”. وبينما يحاول الآباء إخفاء قلقهم، يدرك الأطفال جيدًا أن العيد هذا العام لن يشبه ما سبق.

أولويات الحياة اليومية — الحرب في غزة

بعيدًا عن خيمة يزن، تقف الطفلة لينا الدحدوح (9 أعوام) قرب مجموعة من الجِرار البلاستيكية المصطفة على الأرض أمام خيمة نزوح بيضاء. تمسك لينا بيدها دلوا صغيرًا وتراقب والدها وهو ينحني لملء أحد الأوعية بالماء، بينما يقف حولهما أطفال آخرون ينتظرون دورهم بصبر متعب. يبدو المشهد أشبه بطابور طويل من الأوعية الفارغة التي تنتظر أن تمتلئ، مثلما ينتظر أصحابها أياما أقل قسوة.

لم تكن الطفلة الغزية تتخيل أن أيام ما قبل العيد يمكن أن تمر بهذه الطريقة. ففي مثل هذا الوقت من كل عام، كانت ترافق والدتها إلى الأسواق لشراء فستان العيد، وتعود إلى البيت وهي تعد الأيام المتبقية حتى صبيحة العيد. أما الآن، فتنشغل بالوقوف في طوابير المياه مع أفراد عائلتها، بعدما تحولت الخيمة إلى منزلٍ مؤقت لا يصل إليه الماء إلا عبر تعبئة الجِرار من نقاط بعيدة.

تقول لينا: “نأتي إلى هنا كل يوم لنحضر الماء”. تتوقف قليلاً ثم تضيف: “كنت أظن أننا سنشتري ملابس العيد هذه الأيام”. لكن الظروف التي فرضتها الحرب جعلت فكرة الملابس الجديدة بعيدة عن تفكير العائلة. فمعظم دخل الأسرة اختفى، وأصبح تأمين الماء والطعام أولوية يومية تتقدم على كل شيء آخر.

ألعاب مفقودة وأماكن مغلقة

أما الطفل آدم السالمي (11 عامًا)، فيقضي معظم وقته في التجول بين الخيام مع مجموعة من أصدقائه. حين يُسأل عن العيد، يجيب سريعا: “لم يعد هناك عيد”. كان آدم يقضي أيام العيد في أحد المتنزهات الشعبية في مدينة غزة، حيث تتوزع الأراجيح والألعاب الكهربائية، لكن تلك المتنزهات لم تعد موجودة اليوم. “كل الأراجيح التي كنا نلعب عليها تحطمت”، يشير بيده إلى ملعب اليرموك، ويضيف: “حتى الملاعب الصغيرة لم تعد موجودة”.

بالنسبة له، لا يكمن فقدان العيد في الملابس الجديدة أو الحلوى فحسب، بل في غياب الأماكن التي كانت تمنح الأطفال مساحة للضحك والركض. “كنا نخرج منذ الصباح ونعود في المساء”، يوضح آدم. “أما الآن فنحن نبقى قرب الخيمة”.

أسواق بلا بهجة

في أسواق غزة القليلة التي ما زالت تعمل، تبدو الاستعدادات للعيد مختلفة تمامًا عما اعتاده السكان في السنوات الماضية. فالأزقة التي كانت تمتلئ قبل العيد بأصوات الباعة وزينة المحال التجارية، تبدو هذه الأيام أقل ازدحامًا، فيما تغيب معظم مظاهر الاحتفال. تتركز حركة البيع أساسًا حول السلع الغذائية الأساسية، مثل الطحين والأرز وبعض الخضروات، بينما تختفي تقريبًا البضائع المرتبطة بموسم العيد.

يقول أحد التجار، مفضلًا عدم ذكر اسمه، إن كثيرًا من الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء. فالمشهد العام للأسواق يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي يعيشها القطاع بعد سنوات من الحرب والتدمير.

حتى بين الخيام، لا يجد أطفال غزة مساحة للمرح. يبدو أن فرحة العيد تأجلت مرة أخرى، بانتظار زمن تعود فيه حياة الأطفال إلى طبيعتها.

المصدر: aljazeera.net

المزيد في الإسلامأطفال غزةعيد الفطرالحرب في غزة