رحلة ترائي هلال رمضان: من المشاعل إلى المراصد الحديثة

0
30
رحلة ترائي هلال رمضان: من المشاعل إلى المراصد الحديثة

ترائي هلال رمضان في مساء غدٍ (الثلاثاء) 29 شعبان 1447هـ، يترقب المسلمون بفارغ الصبر عملية تحرّي رؤية هلال شهر رمضان المبارك. هذا المشهد السنوي يتجاوز كونه مجرد تقليد، فهو يمثل لحظة دينية واجتماعية عميقة، تعلن عن قدوم الشهر الفضيل بما يحمله من روحانيات وذكريات متوارثة.

ترائي هلال رمضان

على مر العصور، شهدت طرق ترائي الهلال تحولات جذرية. في البداية، كان الناس يعتمدون على إشعال المشاعل في قمم الجبال أو إطلاق زخات من الرصاص لإبلاغ القرى المجاورة برؤية الهلال. ومع مرور الوقت، تطورت هذه الطرق لتصبح أكثر دقة وسرعة، حيث بدأ استخدام الراديو ليجتمع أفراد الأسرة حوله في مساء الـ29 من شعبان، في انتظار معرفة ما إذا كان الغد هو أول أيام رمضان أو متمماً لشعبان.

ثم جاء التلفاز ليعزز من سرعة انتشار الخبر، حتى وصلنا اليوم إلى عصر وسائل الاتصال الحديثة التي تنقل الأخبار في لحظات. في السابق، كان بعض الناس لا يعلمون بدخول الشهر إلا بعد وصول المسافرين إليهم، مما جعلهم يقضون ما فاتهم لاحقاً.

أول مرصد فلكي في المملكة

تسرد دارة الملك عبدالعزيز قصة إنشاء أول مرصد فلكي لإثبات رؤية هلال رمضان في المملكة، حيث بدأت الفكرة عام 1948 في عهد الملك عبدالعزيز. تقدم الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة، المدرّس في المسجد الحرام والمهتم بعلم الفلك، بطلب لإنشاء مرصد فلكي. وقد وافق الملك سعود -ولي العهد آنذاك- على الطلب، ووجه ببناء غرفة خاصة للمرصد على قمة جبل أبي قبيس بمكة المكرمة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم توفير مجموعة من أدوات الرصد مثل التيودوليت والتلسكوب وساعة الكرونومتر والبارومتر والسكستان. ومنذ ذلك الحين، بدأ الاهتمام الرسمي بعلوم الفلك ورصد الأهلة يتزايد.

تطور المراصد الفلكية

في عام 1957، تم تأسيس مرصد المدينة المنورة العالمي، الذي يُعتبر من أقدم المراصد في المملكة. وفي نفس العام، أُنشئ مرصد جامعة الملك عبدالعزيز ليكون مركزاً بحثياً وتعليمياً متخصصاً في الفلك والفضاء. وفي عام 1990، تم إنشاء مرصد البيروني غرب مكة المكرمة، تيمّناً بالعالم أبو الريحان البيروني.

ثم جاء عام 2003 ليشهد تأسيس مركز خادم الحرمين الشريفين للأهلة وعلوم الفلك أعلى برج ساعة مكة، والذي يُعتبر أكبر شبكة مناظير فلكية في العالم لرصد الأهلة في سبع دول.

شروط ترائي الهلال

يرتبط المسلمون بعملية ترائي هلال رمضان ارتباطاً وثيقاً، حيث تُشترط في المترائي العدالة والأمانة وسلامة البصر والقدرة على التمييز بين الهلال وغيره من الأجرام السماوية أو الخيوط السحابية. يتم اختيار هؤلاء المترائين من قبل لجان متخصصة، وتحديد مواقع مرتفعة مناسبة للرصد بعد غروب شمس يوم الـ29، حيث تُوثّق شهاداتهم أمام القضاة المختصين لضمان دقة الرؤية واعتمادها رسمياً.

إن رحلة ترائي هلال رمضان ليست مجرد تقليد، بل هي تجسيد للروح الجماعية للمجتمع المسلم، حيث تتوحد القلوب في انتظار هذا الحدث المبارك، الذي يحمل في طياته الأمل والتجديد الروحي.

المصدر: okaz.com.sa

المزيد في الإسلامرمضانفلكترائيمرصد فلكي