حي الزيتون: صرخات من قلب المعاناة والعطش

0
5
حي الزيتون: صرخات من قلب المعاناة والعطش

الزيتون غزة في أحد الأزقة المتربة من حي الزيتون، جنوب شرق مدينة غزة، يجلس الفلسطيني جواد بدوان أمام منزله المدمّر، يراقب المارة وهم يحملون أوعية بلاستيكية صغيرة، كأنهم يحملون أعمارهم المتبقية. لم يكن يتخيل بدوان، الذي يبلغ من العمر 45 عامًا، أن يتحول أكبر وأعرق أحياء غزة إلى مساحة عطشٍ مفتوح، وأن يصبح الحصول على الماء مهمة يومية شاقة تُخاض كمعركة صغيرة ضد الغياب والإهمال.

الزيتون غزة

يقول بدوان بصوتٍ متعب، لكنه ثابت: “إن معاناتنا هنا تكمن في شح المياه؛ إذ لا توجد أي جهة رسمية مخولة بزيارة الحي، رغم أنه يعد من أقدم أحياء مدينة غزة وأكثرها اكتظاظًا بالسكان”. يحدّق في الأفق الشرقي حيث يمتد ما يسميه “الخط الأصفر”، ويضيف: “نعيش في حالة من الألم والمرارة؛ فالمياه لا تصلنا، والتكيّات الخيرية غائبة، وحتى الخبز غير متوفر. إن أدنى حقوق المواطن الأساسية مفقودة هنا تمامًا”.

معاناة يومية في البحث عن الماء — غزة

توفير المياه بات مهمة شاقة لسكان حي الزيتون، حيث يضطر الكثيرون إلى المشي مسافات طويلة للحصول على الماء. “وأولئك الذين يتمكنون من جلبه يفعلون ذلك على نفقتهم الخاصة وبجهودهم الشخصية”، يروي بدوان. أحيانًا، تصل صهاريج مياه، لكنها لا تكفي أحدًا، وقد يظل الحي أسبوعًا أو أكثر دون قطرة ماء، مما يضطر الشباب للتوجه إلى مناطق محطات التحلية البعيدة لملء أوعية صغيرة، سعة 10 أو 15 لترًا. ويبتسم بدوان بمرارة: “هذه الكمية لا تكفي عائلة ليومين”.

أما عن دور التكيات الخيرية، فيقول إنها لا تصلهم، وكل ما يشهده الحي هو جهود فردية لمبادرين يتنقلون دون مقابل منذ بداية الحرب. “لم تصلنا سوى مؤسسة واحدة هي الأونروا، التي وزّعت كميات محدودة من طرود النظافة”، يضيف بدوان. ثم يتنهد قائلاً: “هذا الحي مُهمّش بشكل كبير، وسكانه يعانون معاناة شديدة؛ ورغم كثرة المبادرات، فإنها بلا نتائج ملموسة أو ثمار حقيقية. نسأل الله أن يهوّن علينا هذا المصاب”.

وقفة احتجاجية للمطالبة بالحقوق — الأوضاع الإنسانية

لم يكن يومًا عاديًا في حي الزيتون، حيث خرج عشرات الفلسطينيين إلى الشارع، قرب مفترق مسجد صلاح الدين الأيوبي، في وقفة احتجاجية تطالب بتدخل عاجل لمعالجة “التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية والخدمات الأساسية” بفعل الدمار الواسع الذي خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية. تجمع المحتجون وسط مبانٍ مدمرة وأخرى متصدعة، رافعين لافتات تطالب بتوفير مياه الشرب، وإصلاح شبكات الصرف الصحي، وإزالة الركام والنفايات، وضمان وصول المساعدات الغذائية والطبية بشكل منتظم وعادل.

الحي الذي كان يومًا قلبًا نابضًا بالأسواق والمدارس والمساجد، بات اليوم محاطًا بالأنقاض، وتقطعه حواجز الخوف، فقربه مما يُعرف بالخط الأصفر جعله عرضة للقصف اليومي، وجعل كثيرًا من الجهات تتردد في الوصول إليه، فصار سكانه عالقين بين هدنة هشة وواقع لا يشبه السلام.

أصوات من تحت الأنقاض — المياه

إبراهيم الشمالي (52 عامًا) يقف قرب ركام منزله ويشير بيده نحو الشرق قائلًا: “نحن الآن في حي الزيتون، أحد أكبر وأعرق أحياء مدينة غزة. وبحكم قربنا من الخط الأصفر، أصبحنا من أكثر المناطق تهميشًا واستهدافًا”. يتحدث بمرارة من يشعر أنه يعيش على هامش الخريطة ويناشد المؤسسات الدولية والجهات المعنية أن يتذكروهم وينظروا إليهم بعين الرحمة، فهم يعيشون تهميشًا كاملاً ولا أحد يتفقد أحوالهم.

ويؤكد للجزيرة نت أن المياه غير متوفرة للشرب، ولا توجد مقومات للحياة الكريمة، ويطالب البلديات والطواقم الطبية بالحضور وإنشاء مستشفيات ميدانية ونقاط طبية متنقلة. لا يكتفي إبراهيم بالمطالبة بالمياه العذبة للشرب، بل يشدد أيضًا على ضرورة توفير مياه للغسيل والاستحمام، “فالنظافة ليست رفاهية، بل ضرورة صحية”. ويضيف: “نرجو أن ينظروا إلى حالنا بعين الإنسانية وألا يتركونا للنسيان، فنحن نشعر بأننا منسيون تمامًا في هذا الحي”.

كارثة إنسانية وبيئية

المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، يصف حي الزيتون بأنه من أكثر المناطق تضررًا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن الدمار طال نحو 90% من مباني الحي، وفق تقديرات أولية. ويضيف، في حديثه للجزيرة نت، أن الأرقام هنا ليست مجرد نسب؛ إنها منازل سقطت، وعائلات فقدت جدرانها. “البنية التحتية تعرضت لتدمير واسع، والمنطقة تعاني من تراكم النفايات وطفح الصرف الصحي، إلى جانب وجود جثامين لا تزال تحت الأنقاض في بعض المواقع لعدم توفر الإمكانات اللازمة لانتشالها”.

ويتابع: “نحن أمام كارثة مركبة: كارثة إنسانية وبيئية وصحية”، موضحًا أن بعض المنازل المتبقية باتت آيلة للسقوط، ما يشكّل خطرًا دائمًا على السكان، وقد سُجلت حالات وفاة نتيجة انهيارات وبسبب الظروف القاسية. يدعو بصل المجتمع الدولي والمنظمات الأممية إلى تدخل عاجل، معتبرًا أن “إعادة الإعمار تمثل المدخل الأساسي لتخفيف معاناة السكان”، لكن الإعمار، في حي الزيتون، يبدو كلمة بعيدة عن واقع الماء المفقود وفق ما يشعر به سكانه.

نداء من القلب

سليم دلول (60 عامًا) يتحدث بلهجة الأب الذي يحمل همّ الحي كله، قائلاً: “نحن أبناء حي الزيتون الصامد، هذا الحي الذي دُمّر فوق رؤوس ساكنيه؛ ومع ذلك ما زلنا صامدين وباقين في أرضنا”. يشير إلى البيوت المهدمة حوله ويضيف: “يؤسفنا أن جميع المؤسسات الدولية وغير الدولية تهمش حي الزيتون، ولا نعلم إن كان ذلك عن قصد أم غير قصد، إلا أن التهميش بحقنا كامل ومطبق”.

يؤكد دلول أن نحو 200 ألف نسمة يقطنون في بيوتهم لا تصلهم أي مساعدة من أي جهة كانت. “قد تقدم المساعدات لبعض المخيمات أو مراكز الإيواء، ولكن هناك أناس بقوا في بيوتهم رغم الدمار، وهؤلاء لا يراهم أحد”. ويطالب بنظرة عطف حقيقية تجاه أبناء الحي الذين يحتاجون إلى مساعدات عينية ومالية وخدمات أساسية، مؤكدًا وجود “تقصير واضح في الخدمات”.

كما يطالب دلول المسؤولين المحليين بتوفير الخدمات أولًا، ثم تقديم المساعدات، مشيرًا إلى أن قوافل المساعدات تمر أحيانًا من محيط الحي دون أن تتوقف. ويقترح حلاً بسيطًا: “إذا كانت المؤسسات تخشى الوصول إلى الحي، فبإمكانها إرسال المساعدات إلى أي نقطة قريبة، وسيتوجه أبناء الحي لاستلام حصصهم بأنفسهم”.

وفي ختام حديثه، يرفع دلول بصره إلى السماء: “أمنيتي أن يعيش أبناء حي الزيتون بسعادة وهناء، وأن يكفيهم الله ما هم فيه من همّ وغمّ في ظل استمرار الحرب”.

المصدر: aljazeera.net

المزيد في الإسلامغزةالأوضاع الإنسانيةالمياهالاحتجاجات