الترند والمعرفة في عصرنا الرقمي، أصبح الترند ظاهرة تسيطر على المشهد الإعلامي والاجتماعي، حيث يتشكل وعي الجماعة حول أحداث معينة بسرعة مذهلة. لكن، هل تساءلنا عن تأثير هذه الظاهرة على الفرد والمعرفة؟
الترند والمعرفة
الترند لم يعد مجرد توصيف لما يتداوله الناس، بل أصبح آلية حاكمة تعيد تشكيل العلاقة بين الجماعة والمعرفة، وبين الفرد والفهم. في خضم هذه الآلية، يُختزل الحدث إلى لحظة واحدة، ويُستهلك الفرد رمزيًا، مما يؤدي إلى غياب التحليل العميق وفقدان السياق.
الترند كسلطة زمنية
يتحول الترند إلى سلطة زمنية تُقصي التحليل وتستبدل المعرفة باللحاق. في هذه اللحظة، يُغتال الفرد مرتين: مرة حين يُختزل داخل الموجة، ومرة حين تُسحق فردانيته المعرفية باسم الإجماع. في ذروة الترند، لا يُقاس الوعي بقدرته على التحليل، بل بقدرته على اللحاق.
آلية عمل الترند
كيف يعمل الترند؟ يبدأ بتجميع الانتباه حول نقطة واحدة، ثم يضغط الزمن على الجميع: إما أن تلتحق، أو تُمحى من المشهد. ومع اتساع الموجة، تُستبدل الأسئلة المتأنية بإجابات سريعة، وتتحول المشاركة من فعل تواصل إلى “إثبات حضور”.
الحدث: نقطة انطلاق بلا سياق — وسائل التواصل
كل ترند يبدأ بحدث، لكنه لا يُقدَّم بوصفه نتيجة لمسار، بل كلقطة جاهزة للتداول. لا تاريخ، لا خلفية، مجرد لحظة قابلة للاشتعال. هذا ما وصفه المفكر المغربي عبد الله العروي بـ”الوعي الآني”: وعي يكتفي باللحظة ويستغني عن الذاكرة.
السرعة: حين تصبح المعرفة عبئًا — الترند
بعد دقائق، تبدأ العجلة. مشاركة، تعليق، إعادة نشر. السرعة تتحول إلى قيمة أخلاقية، والتأخير إلى شبهة. هنا تنهزم المعرفة بطبيعتها، لأنها لا تُنتج موقفًا فوريًا. فالكاتب الأميركي نيل بوستمان حذّر من أن المعرفة حين تُقدَّم وفق قواعد الترفيه تفقد قدرتها على الإقناع.
الاختزال: الجماعة تبحث عن فرد — الفردية
الجماعة لا تحب التعقيد. تحتاج وجهًا، اسمًا، شخصًا. القضية تُختصر في فرد، والفرد يُحمّل ما يفوقه. نقاش عام معقد يتحول فجأة إلى “مقطع” واحد لشخص واحد، فتُختزل القضية في جملة مجتزأة أو لقطة قابلة للتأويل.
التوحيد: لغة واحدة.. موقف واحد
في ذروة الترند، تختفي الفوارق. الجميع يتكلم اللغة نفسها، ويصل إلى النتيجة نفسها. التكرار يمنح إحساسًا زائفًا باليقين، ويقفل باب السؤال.
الضغط: إقصاء التمايز
من يحاول الفهم يُتَّهم. من يتريّث يُقصى. الجماعة لا تطلب معرفة، بل انسجامًا زمنيًا. هنا، تُمارَس السلطة عبر الإيقاع: إيقاع واحد، ولحظة واحدة، وموقف واحد.
الاستهلاك: الفرد كصورة
الفرد لم يعد ذاتًا، صار صورة، عنوانًا، مقطعًا. الناقد الفرنسي غي ديبور وصف هذا التحول بـ”الفرجة”: الحدث لا يُعاش، بل يُعرض. ومع كل مشاركة يتراجع المعنى خطوة إضافية.
الإغلاق: وهم الفعل
بعد أيام يبرد الترند. تشعر الجماعة أنها فعلت شيئًا: غضبت، أدانت، شاركت. لكن لا شيء يتغير، لأن البنية لم تُمسّ. الفيلسوف حسن حمدان “مهدي عامل” حذّر من هذا الوهم.
الانتقال: دورة بلا ذاكرة
ترند جديد يظهر. فرد جديد يُسحب إلى الواجهة. والدورة تبدأ من جديد. الذاكرة قصيرة، والإرهاق يتراكم. الجماعة لا تتعلم لأنها لا تتوقف طويلًا عند أي تجربة.
بدائل خارج الإيقاع
وسط هذا الضجيج، تبرز نماذج لا تراهن على اللحظة، بل على الفكرة. مثل برنامج “في الحضارة”، الذي يقدّم موضوعاته بمنطق تفكيك السياق لا استهلاك الحدث. قوته هنا ليست في “الاستعراض”، بل في الإحساس بأن هناك عقلًا يقود الفكرة خطوة خطوة.
في النهاية، الفرد المفكّر في مواجهة الجماعة المنفعلة هو الشرط لإنقاذها من ذوبانها. النجاح في هذا النموذج ينسف مقولة إن الجمهور لا يريد المعرفة. الجمهور يريدها، لكنه يريدها من مصدر يثق به.
المصدر: alaraby.com

