رحلة إنسانية في “50 متر”: الأب والزمن والوحدة

0
40
رحلة إنسانية في “50 متر”: الأب والزمن والوحدة
رحلة إنسانية في “50 متر”: الأب والزمن والوحدة

فيلم متر تأخذنا المخرجة المصرية يمنى خطاب في رحلة شخصية عميقة عبر فيلمها الوثائقي الطويل “50 متر”، الذي عُرض لأول مرة عالميًا ضمن مسابقة (Next: Wave) في مهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية (CPH:DOX). بعد ذلك، شهد الفيلم عرضه العربي الأول في مهرجان الجونة السينمائي، لينتقل لاحقًا إلى قلب القاهرة حيث حظي بجمهور واسع.

فيلم متر

يستند الفيلم إلى حوض سباحة بطول خمسين مترًا، ويستعرض علاقة المخرجة بوالدها من خلال سرد ذاتي يتداخل فيه الخاص مع الإنساني. في هذا الفضاء المغلق، حيث يلتقي عدد من الرجال الذين تجاوزوا السبعين لممارسة تدريبات الأيروبيك المائية، تبدأ يمنى في نسج قصتها، مستخدمة الكاميرا لتوثيق هذه الطقوس الجسدية الهادئة.

استكشاف العلاقات الإنسانية — سينما وثائقية

تتداخل مشاهد التدريب مع تعليقات صوتية من المخرجة، حيث تعود إلى ذكريات طفولتها وشبابها، وتطرح تساؤلات حول علاقتها بوالدها، وخياراتها الشخصية في الحياة. يمنى، التي كانت موظفة ناجحة سابقًا، تسعى الآن لتأسيس مسيرتها في صناعة الأفلام.

لا يسعى فيلم “50 متر” إلى تقديم دراما تقليدية أو كشف أسرار صادمة، بل يتحرك ببطء مقصود، ويجمع تفاصيله الحميمية. يتناول الفيلم فكرة البنوة كعنصر محوري، حيث لا يقتصر على علاقة يمنى بوالدها فحسب، بل يمتد أيضًا إلى تساؤلات حول الأمومة التي لم تتحقق بعد.

الخوف من الوحدة والتقدم في العمر — يمنى خطاب

خلف محاولاتها للتقرب من والدها، يبرز سؤال أكثر تعقيدًا حول المستقبل والخوف من الوحدة في الكبر. يبدو أن سعي يمنى لمنح والدها الرفقة والاهتمام يعكس رغبتها في الحصول على ما تحتاجه في المستقبل، حتى وإن كان والدها في تلك اللحظة لا يحتاج إلى هذه الرفقة بنفس القدر.

لا يصبح الأب مجرد موضوع للفيلم، بل مرآة تعكس قلقًا أوسع يتعلق بالزمن والحاجات الإنسانية. تتداخل الرغبة في العطاء مع الخوف من الفقد، حيث تطرح المخرجة أسئلة تتعلق برأي والدها في قرارها تغيير مسارها المهني، وتركها لوظيفتها المستقرة، بالإضافة إلى موقفه من عدم إنجابها حتى الآن.

السينما الذاتية كوسيلة للتعبير — علاقات إنسانية

يمكن اعتبار “50 متر” جزءًا من السينما الذاتية، حيث تركز على التجربة الشخصية للمخرجة وعلاقاتها الأسرية. في السنوات الأخيرة، عُرض العديد من الأفلام الوثائقية العربية التي تتبع نفس المنهج، لكن “50 متر” يختار مسارًا أكثر اختزالًا في مقاربته للذات والعائلة.

بينما يستند فيلم “الحياة بعد سهام” إلى فقدان الأم، و”كذب أبيض” إلى تفكيك التاريخ العائلي، يظل “50 متر” مشدودًا إلى الحاضر، حيث تعكس علاقة الابنة بالأب قلقًا شخصيًا أوسع يتعلق بالزمن والوحدة.

حوض السباحة: استعارة رمزية

يتحول حوض السباحة إلى استعارة رمزية مشحونة بدلالات نفسية متعددة. يعمل الماء على تخفيف وطأة التقدم في العمر، ويمنح الرجال السبعينيين قدرة مؤقتة على الحركة. في هذا الوسط، تتراجع الفوارق الفردية، ويتحول الحوض إلى مساحة جامعة.

في مشهد الختام، تنزل يمنى إلى الماء وتستلقي على ظهرها، مما يمثل تجسيدًا رمزيًا لمسار الفيلم. يصبح الماء مساحة أمان شخصية، تخفف من قلقها حول علاقتها بالأب، وأسئلتها حول المستقبل والأمومة.

فيلم “50 متر” هو تجربة وثائقية هادئة، قد لا تراهن على الإثارة، لكنها تنجح في تحويل لحظات شخصية شديدة الخصوصية إلى مساحة تأمل إنساني مفتوحة.

المصدر: aljazeera.net

المزيد في ثقافةسينما وثائقيةيمنى خطابعلاقات إنسانية